الهيئة العربية للطاقة الذرية

الاستراتيجية العربية الاستخدامات السلمية للطاقة الذرية حتى 2020

ملخــــــص تنفيــــذي

أولا: توطئــة :
أصدر مجلس جامعة الدول العربية على مستوى القمة إعلان الخرطوم الداعي إلى جعل منطقة الشرق الأوسط منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل وحق الدول في الاستخدامات السلمية للطاقة النووية (الخرطوم: مارس 2006).
اتخذ مجلس جامعة الدول العربية على المستوى الوزاري د.ع (127) القرار رقم 6748 بتاريخ 4/3/2007 والمعنون “تنمية الاستخدامات السلمية للطاقة النووية في الدول الأعضاء بجامعة الدول العربية”، والذي أكد على التزامه بدعوة القادة العرب الصادرة في بيان مجلس الجامعة على مستوى القمة د.ع (18) بجمهورية السودان بتاريخ 29/3/2006، كما أكد على قراره رقم 6688 د.ع (126) بتاريخ 6/9/2006، ونص في فقرتيه (2، 3) على ما يلي:
• حث الدول العربية التي لم تنضم بعد على الانضمام إلى الهيئة العربية للطاقة الذرية والوكالة الدولية للطاقة الذرية.
• تكليف الهيئة العربية للطاقة الذرية بالإسراع في وضع خطوات استراتيجية عربية خاصة بامتلاك العلوم والتقنيات النووية للأغراض السلمية حتى عام 2020.
اتخذ مجلس جامعة الدول العربية على مستوى القمة د.ع (19) بالمملكة العربية السعودية بتاريخ 29/3/2007 القرار رقم 383 المعنون “تنمية الاستخدامات السلمية للطاقة النووية في الدول الأعضاء بجامعة الدول العربية”، والقرار رقم 384 المعنون “وضع برنامج جماعي عربي لاستخدام الطاقة النووية في الأغراض السلمية”(المرفق رقم 1).
اتخذ مجلس جامعة الدول العربية على مستوى القمة د.ع (20) في الجمهورية العربية السورية بتاريخ 30/3/2008 القرار رقم 424 والقرار رقم 425 حول موضوعي قراري قمة الرياض على التوالي (المرفق رقم 2).
وتنفيذاً لقراري مجلس الجامعة على مستوى القمة رقم 383 /2007 ورقم 424/2008 (تنمية الاستخدامات السلمية للطاقة الذرية في الدول الأعضاء بجامعة الدول العربية) والقرارين رقم 384/2007 ورقم 425/2008 (برنامج جماعي عربي لاستخدام الطاقة النووية في الأغراض السلمية)، قامت الهيئة العربية للطاقة الذرية بالتعاون مع الأمانة العامة للجامعة العربية بوضع مشروع الإستراتيجية العربية للإستخدامات السلمية للطاقة الذرية بنصوص تسمح بديناميكية مطلوبة عند وضع آليات تنفيذها.
تهدف هذه الإستراتيجية إلى تبيان ما يمكن أن تقدمه العلوم والتقانات النووية في دفع عملية التنمية الإقتصادية الشاملة. وستنطلق التوجهات الاستراتيجية من مختلف التطبيقات السلمية للطاقة الذرية ودورها في أي من الميادين الصحية والزراعية والصناعية وإدارة الموارد المائية وغيرها مما سيأتي ذكره فيما يلي من نصوص. أما الآليات فسيأتي وضعها في مرحلة لاحقة. إذ أن تنفيذ الخطوات الاستراتيجية سيكون، في جزء منه، على عاتق الدول نفسها وفي جزئه الآخر على عاتق العمل العربي المشترك سواء في الجامعة العربية أم في الهيئة العربية للطاقة الذرية.
إن من أهم أهداف وضع الإستراتيجية التأكيد على الإمكانات الكبيرة للطاقة الذرية في شتى مناحي الحياة والتأكيد على أهمية تنمية الموارد البشرية القادرة على إختيار التقنيات النووية الملائمة وتطبيقها في الدولة. إن حاجة الدول العربية لهذه التقنيات كبيرة نظراً للنمو السكاني فيها ولضرورة ترافق ذلك مع تنمية اقتصادية ورعاية صحية وتطوير للموارد المائية والزراعية والصناعية.
ثانيا: الملامح الاقتصادية للدول العربية :
قامت الإدارة العامة للهيئة العربية للطاقة الذرية بوضع ملخص عن الملامح الاقتصادية (Country profile) لكل من الدول العربية استناداَ إلى الوثائق المتوفرة في عدد من المؤسسات الدولية. تستعرض الوثيقة المعدّة الموقع الجغرافي، عدد السكان، مكونات الإقتصاد الوطني وتوزع اليد العاملة على مختلف القطاعات الأساسية للإنتاج بالإضافة إلى الموارد االمتاحة للتنمية الاقتصادية في هذه الدول بحيث يمكن تحديد دور العلوم والتقانات النووية في استغلال أفضل لهذه الموارد أو تبيان المواضع التي يمكن للتطبيقات السلمية للطاقة الذرية أن تساهم في عملية التنمية الشاملة.
ويمكن الانطلاق من هذه الملامح لتكوين ملامح إقليمية (عربية) أو تحت إقليمية (Sub regional) : الخليج العربي، شمال أفريقيا …تمهيداً لتكوين رؤيا عن إمكانية اقتراح مشاريع نووية وطنية، وطنية تكاملية (تتكامل فيما بينها) أوعربية مشتركة (أي بتمويل مشترك). وسيتم اقتراح المشاريع التكاملية والمشاريع المشتركة في وثيقة خارج الإستراتيجية. وسيتم الاكتفاء في وثيقة الإستراتيجية بتقديم مختلف التقنيات النووية السلمية التي يمكن توظيفها في كل دولة عربية وفقاً لحاجاتها وإمكاناتها.

ثالثاً:الفترة الزمنية حتى العام 2020 :
تزامن صدور قرارات القمة مع ما اصطلح على تسميته بالنهضة النووية المتمثلة بإقدام عدد كبير من دول العالم على وضع خطط لبناء محطات توليد الكهرباء بالطاقة النووية. وتنتمي هذه الدول إلى الدول النامية والدول المتقدمة على السواء. وقد ساهم ارتفاع أسعار النفط في النصف الأول من العام 2008 بتنمية هذه الإتجاهات. إلا أن الأزمة المالية – الاقتصادية التي ظهرت في الأشهر الأخيرة من العام 2008 والتي ستستمر لفترة زمنية قد تقصر أو تطول وفقاً للتطورات المقبلة ولطبيعة الحلول المرتقبة. ومن غير المستبعد أن تؤثر هذه الأزمة على المشاريع النووية في مختلف دول العالم خاصة إذا ما استمرت أسعار النفط متقلبة وإذا ما تأكد التباطؤ الاقتصادي العالمي.
رابعاً : إنشاء المؤسسات وإصدار التشريعات :
قد يبدو هذا الأمر جزءاً من آليات تنفيذ الإستراتيجية إلا أنه من غير المقبول أن يتم وضع إستراتيجية دون الدعوة المبكرة إلى إصدار التشريعات النووية وإنشاء المؤسسات المتخصصة في هذا الميدان: إنشاء هيئات وطنية للطاقة الذرية تعنى بالبحث والتطوير في هذا الميدان وتساهم في التعريف بالتقنيات النووية السلمية وتوظيفها في خدمة التنمية، إصدار القانون النووي الذي يوضح دور المؤسسات المعنية بتنمية الاستخدامات السلمية للطاقة الذرية وبرقابة هذه الإستخدامات وضبطها وتأمين درجة قصوى من الشفافية. إنشاء الهيئات الرقابية (الناظمة):التي تؤمن رقابة وطنية على استخدام المواد والأجهزة الباعثة للأشعة المؤينة وإصدار اللوائح المتعلقة بالاستخدام السلمي والآمن للمواد والتقانات النووية والإشعاعية
خامسـا : تنمية المـوارد البشريـة :
يحتم الإستخدام الكفء والآمن للعلوم والتقنيات النووية وجود أخصائيين ومهندسين وعلميين في شتّى الميادين تشبّعوا بهذه العلوم وتدرّبوا عليها وأصبح بإمكانهم توظيف الطاقة الذرية وتقنياتها في خدمة التنمية الشاملة. وتتطلب هذه العملية تنمية الموارد البشرية في كافة مجالات الاستخدام السلمي للطاقة الذرية.
وترتكز الإستراتيجية الوطنية (والعربية المشتركة) لتنمية الموارد البشرية على وجود نظام تعليم وطني كفء يهدف إلى توفير الموارد البشرية المؤهلة في كافة المجالات ومنها مجال الطاقة الذرية وتقنياتها. يتم إدخال العلوم النووية وتقنياتها في شتى مراحل التعليم بدءاً من التعليم العام وحتى الدراسات ما بعد الجامعية.
سادساً :الأمان النووي والوقاية الإشعاعية :
لا يمكن الشروع ببناء المنشآت النووية أو تشغيل الأجهزة المصدرة للأشعة أو تداول المواد والنظائر المشعة دون استحداث البنى الأساسية للأمان النووي ، للأمن النووي وللوقاية من الإشعاع. ومن أساسيات الأمان النووي والوقاية الإشعاعية ممارسة إشراف رقابي فعال للمرافق النووية والإشعاعية بما يتمشى والمعايير الدولية المحددة. تسهر الهيئة الرقابية على معالجة قضايا التقادم من خلال التجديد والتحديث اللازمين لضمان الأمان ومن خلال الإخراج من الخدمة للتجهيزات أو المواد التي توقف استخدامها. وعليه لابد من وجود برنامج خاص بقضايا الأمان ووجود هيئة رقابية وطنية وتوفير خدمات تدعم الوقاية الإشعاعية الفعالة للعاملين ولأفراد المجتمع وللبيئة. يتم التأكد من أن يتضمن هذه البرنامج كافة الإجراءات لمنع وقوع أية حوادث قد تعرض أفراد المجتمع والبيئة لضرر الإشعاع أو التلوث النووي.
سابعـا : استخدام المسرّعـات :
تتمتع المسرعات باستخدامات مختلفة وفقاً لنوعها ولطبيعة العمليات أو البحوث التي يراد إجراؤها بواسطتها. ويمكن تصنيف المسرعات إلى أربعة أنواع تتكامل وتغطي كماً كبيراً من التطبيقات والاستخدامات السلمية:
1- المسرّعات الإلكترونية :
تتعدد تطبيقات المسرعات الإلكترونية طبقاً لطاقتها حيث أن الطاقات العالية تسمح للإلكترونات المسرّعة بإختراق مسافات أكبر في المواد. وهي تستخدم في الصناعة كإنتاج الأنابيب والشرائح الإنكماشية بالحرارة أو جعل عوازل الأسلاك والكابلات الكهربائية (لا سيما في السيارات والطائرات) أكثر تحملاً للحرارة. وهناك تطبيقات أخرى كتعقيم المنتجات والأدوات الطبية أو تحسين خواص الأسطح وأنصاف الموصلات.
2- المســرّع الأيــونى :
تتمحور أكثر الإستخدامات للمسرع الإلكتروستاتيكى (الكهرسكوني) الأيونى على استخدام حزم الأيونات الصادرة عنه بهدف زرع أيونات (شوائب) في بعض المواد كأنصاف الموصلات بحيت يتم تحسين خواصها أو استحداث خواص جديدة تفيد في صناعة الإلكترونيات. كما تستعمل أيضاً في عمليات التحليل لتحديد العناصر الكيميائية الموجودة في عينة صلبة، كماً ونوعاً، خاصة في كشف نسبة تواجد العناصر النزرة أو عناصر الأثر.ولها تطبيقات عديدة في علوم الآثار والبيئة والزراعة والصناعة والصحة العامة.
3- السيكلـوتـرون :
يتم إستعمال المسرّع الدورانى (السيكلوترون) لإنتاج النظائر الطبية المستعملة في الطب النووي. تقدر طاقته بملايين الإلكترون فولط ويتم التحكم بها بين حدين أدنى وأقصى. ويمكن أن يكون له عدة خطوط لنقل الحزمة بحيث يستخدم كل خط لإنتاج نوع محدد من النظائر المشعة.
4- السنكروتــرون :
السنكروترون هو عبارة عن مسرّع للإلكترونات ويصدر أشعة كهرومغناطيسية تشمل الأشعة السينية والأشعة فوق البنفسجية والأشعة تحت الحمراء. وتستخدم هذه الأشعة للدراسات فى فحص وتحليل تركيب المواد الصلبة من خلال علوم الفيزياء والكيمياء. وله تطبيقات عديدة في البيولوجيا والبيئة والآثار والزراعة والهندسة والصيدلة والطب والصناعة .
ثامنـاً : استخدام مفاعلات البحوث :
مفاعلات البحوث هي أجهزة تقوم على مبدأ استعمال الوقود النووي لتوليد فيض نتروني يستخدم في إجراء البحوث وإنتاج النظائر المشعة والتحليل بالتنشيط النتروني. بالإضافة إلى ذلك فإن امتلاك مفاعلات الأبحاث يعتبر عاملاً مهماً في البرامج النووية الوطنية لا سيما تلك التي تتعلق بمحطات توليد الكهرباء بالطاقة النووية حيث يتم استخدام مفاعلات عملاقة وكميات كبيرة من الوقود النووي.
يعتبر وجود مفاعل أبحاث بالدولة أساساً لفهم التكنولوجيا النووية ولبناء وتطوير الجوانب المتعلقة بموضوعي الأمن والأمان النوويين للدولة في مختلف مراحل عمر المفاعل بدءاً باختيار موقع المفاعل والتصميم المناسب و البناء ثم إدخاله في الخدمة وتشغيله وإخراجه، في نهاية عمره التشغيلي، من الخدمة.
وتجدر الإشارة إلى أن المفاعلات النووية تستخدم وقوداً من اليورانيوم، حيث يستخدم اليورانيوم الطبيعي في مفاعلات الماء الثقيل ويستخدم اليورانيوم منخفض الإثراء في مفاعلات الماء الخفيف. وقد صار الاتجاه نحو استخدام مفاعلات الأبحاث وقوداً تكون نسبة الإثراء (التخصيب) فيه أقل من 20%. أما نسبة الإثراء في وقود مفاعلات القوى فتكون ما بين 3% إلى 5%.
تاسعاً : إنتاج واستخدام النظائر المشعّة والمستقرّة :
تلعب النظائر المشعّة والمستقرّة دوراً بارزاً في العديد من الحقول لا سيما في الطب والصناعة وإدارة الموارد المائية والزراعة. ويساهم استخدام هذه النظائر في حل العديد من المسائل بكثير من الفعالية وبكلفة صغيرة مقارنة بتقنيات أخرى. فهي أنّى استخدمت وطبقت تقنياتها تساهم مساهمة جيدة في عملية التنمية الإقتصادية الشاملة. وليس من المحبذ اقتصادياً أن تقوم كل دولة بإنتاج كافة النظائر التي تحتاجها بل ينبغي أن تتكامل الدول العربية في عملية الإنتاج بحيث تؤمن النظائر لمن يحتاجها في هذه الدول بالأسعار العالمية أو أدنى. ويتم إنتاج النظائر بالمفاعلات النووية أو بواسطة السيكلوترون أو بواسطة المولدات.
عاشراً: استخدام العلوم والتقنيات النووية في الزراعة :
نظراً للدور الهام الذي يمكن أن تلعبه التقانات النووية في تحسين الواقع الزراعي للبلدان العربية فيما لو استخدمت بالشكل المناسب لتساهم في إيجاد الحلول للمشاكل الزراعية التي تواجه هذه البلدان (والتي يشكل القطاع الزراعي في معظمها دوراً رئيساً في الناتج الوطني)، فإن الإستراتيجية الخاصة بالبلدان العربية تتركز على تأمين المختبرات والتجهيزات اللازمة للقيام بالتطبيقات المناسبة لها علاوة على تأهيل الموارد البشرية المناسبة للوصول لذلك الهدف . وتساهم التقنيات النووية في إيجاد نباتات متحملة للجفاف والملوحة أو ذات إنتاجية عالية. كما تستخدم في دراسات الري والتسميد وترشيد استخدام المياه والأسمدة والمبيدات وفي مكافحة الآفات الزراعية وتعقيم المحاصيل وتنمية الثروة الحيوانية.
حادي عشر: إستخدام العلوم والتقنيات النووية في الطب :
لعبت النظائر المشعة دوراً مميزاً في المجال الطبي تشخيصاً وعلاجاً منذ اكتشافها في القرن العشرين وتزايد دورها التشخيصي منذ نهاية الستينيات منه بعد اكتشاف آلة تصوير غاما المستخدمة في مراكز الطب النووي. ومن ضمن إستراتيجية تنمية استخدام التقنيات النووية في القطاع الطبي، يجب التأكيد على أهمية التوسع في استخدام أجهزة تصوير بوزيتروني في المستشفيات وتحسين واقع الصيدلة الإشعاعية و العمل على الإنتاج المحلي للمركبات الصيدلانية المشعة وعلى تكامل الدول العربية. كما يتوجب تنمية استخدام المسرعات الخطية في معالجة الأورام بعد أن أصبحت تحل مكان أجهزة الكوبالت المشع.
ثاني عاشر: استخدام العلوم والتقانات النووية في إدارة الموارد المائية :
تعتبر مياه الأمطار المصدر الرئيس في تأمين المياه العذبة للإنسان وتغذية المياه السطحية والجوفية. وقد تغيرت مع العصور طرق تغذية المياه الجوفية بمياه الأمطار وفقاً لتغير الظروف الهيدروجيولوجية في تلك العصور. تحمل مياه الأمطار معها، عند تسربها إلى المياه الجوفية، كمّاً من المعلومات التي تميّز لحظة هطول المطر. كما تحتوي على عدد من النظائر البيئية (بشكل خاص نظيرا الهيدروجين: الديتريوم والتريتيوم، نظير الأكسجين 18 ونظيرا الكربون 13 و14) بكميات ضئيلة جداً.
وتعتبر الدراسة النظائرية لمياه الأمطار مدخلاً أساسياً لدراسة المياه السطحية والجوفية وطرق تغذيتها وكمية وتواتر هذه التغذية وتعتبر الدراسات النظائرية، في الهيدرولوجيا والهيدروجيولوجيا (عمر المياه الجوفية وطرق تغذيتها بمياه الأمطار) الأكثر دقة والأقل كلفة على السواء.
تمثل التقانات النظائرية، المشعة والمستقرة، وسيلة مهمة في الكشف على الملوثات وتحديد أسبابها ومصادرها.و يلعب الكشف على نظيري الكربون 13 و14 ونظير النتروجين 15 ونظير الكبريت 34 دوراً مهمّاً في تحديد الملوثات وربطها بالأنشطة الإنسانية كالزراعة، حيث تستخدم الأسمدة النتروجينية، والصناعة، حيث ينطلق ثاني أكسيد الكربون فيحدث ظاهرة الدفيئة والإنحباس الحراري. وهذا ما يجعل بناء المعامل والمختبرات المتخصصة في دراسة النظائر البيئية خطوة استراتيجية مهمة من أجل الحفاظ على الثروة المائية العذبة والنظيفة وإدارة مواردها.
ثالث عشر: استخدام العلوم والتقانات النووية في الصناعة :
اقتحمت النظائر المشعة والتقنيات النووية مجال الصناعة بشكل واسع حيث تستخدم لغايات مختلفة. ولا بد للصناعات العربية أن تحذو مثيلاتها في العالم من أجل ضمان جودة المنتج والحفاظ على قيمته التقنية والاقتصادية بأسعار تزاحمية. ومن أهم التطبيقات: الإختبارات اللاإتلافية NDT (للكشف على العيوب والفجوات في اللحامات والهياكل المعدنية)، دراسة تجانس الخلطات الصناعية،مستويات السوائل وتباين سماكات الصفائح إلخ… كما تستخدم التقنيات النووية في معالجة المواد بالإشعاع وتحسين خواصها، في إزالة الكهرباء الساكنة في المساحيق، في معالجة غازات العوادم، في توليد الكهرباء وصناعة البطاريات كما في استكشافات النفط واستخراجه.

رابع عشر: توليد الكهربـاء بالطاقة النوويـة :
مع تزايد الحاجة للكهرباء وشحّة المياه في المنطقة العربية و النقص المتزايد في إحتياطيات النفط والغاز يصبح خيار اللجوء إلى الطاقة النووية كمصدر لتوليد الكهرباء وإزالة ملوحة مياه البحر خياراً إستراتيجياُ يجب الوقوف عنده والإعداد له على المدى البعيد والمتوسط.
سوف يتضاعف استخدام الطاقة في العالم بحلول عام 2050 ـ وإذا اعتبرنا أنه من الممكن إدخال تحسينات جوهرية في استخدامات الوقود الأحفوري بالإضافة إلى تحول مستمر من الفحم إلى الغاز الطبيعي فسيبقى من الضروري جعل مساهمة الوقود الأحفوري في إنتاج الطاقة لا تزيد على 30% من إجمالي الطاقة في العام 2050 حتى يصبح من الممكن بلوغ ما هو مطلوب من الحد من انبعاثات الغازات التي تسبب ظاهرة الإنحباس الحراري.
لذلك يصبح من الضروري أن يعمد متخذو القرار لاستعراض كل المقاربات الممكنة لإنتاج الطاقة من أجل التأكد من أن الطلب العالمي والمتزايد على الطاقة ستتم تلبيته رغم ما تفرضه الاتفاقات الدولية من تقييدات على انبعاث الغازات المسببة للإنحباس الحراري
إن صنع القرار في مجال الطاقة هو أمر معقد بسبب وجود عوامل عديدة تتراوح بين المصادر المتاحة للطاقة، سياسات ومصالح الدول والشركات، الكوارث الطبيعية والاضطرابات السياسية أو الأمنية…إلخ. ويمكن الإشارة إلى ظاهرة تضاعف سعر النفط ثلاث مرات خلال عام واحد ثم انخفاضه بشكل سريع، للدلالة على عدم التمكن من استقراء كل التطورات المقبلة على صعيد إنتاج الطاقة أو الطلب عليها. ولكن ورغم ذلك يبقى من الضروري وضع آلية واضحة لمصادر الطاقة،
إن المقاربة المعقولة الوحيدة هي المحافظة قدر الإمكان على أكبر عدد من الخيارات المفتوحة، وأمام عدم التأكد من المستقبل يصبح من الضروري أن يضع العالم العربي له خططاً متنوعة تأخذ بعين الاعتبار كل الخيارات المتاحة وتطوير التقنيات في كل ميادين إنتاج الطاقة بحيث لا تضيع الفرص ولا تهدر المصادر بشكل غير مدروس . وبناء على ذلك يبدو من الصعوبة الوقوف ضد المقترح الذي يُبقي خيار بناء عدد من المحطات النووية خياراً مفتوحاً. ويتأثر هذا الخيار بعوامل داخلية (وفرة الوقود الأحفوري، تطور الطلب على الكهرباء، الرأي العام والوعي البيئي، توفر الإستثمارات طويلة الأمد، المستوى التقني ومدى امتلاك التقنيات النووية …إلخ) وبعوامل خارجية ( الطلب العالمي على الطاقة، توافر وسعر الوقود الأحفوري، تأثير الوقود الأحفوري على البيئة، تطور الطاقات البديلة ومردودها الإقتصادي، وجود استثمارات طويلة الأمد، توفر الوقود النووي، الأمان النووي وإدارة الوقود المستنفد، المخاوف الدولية من إنتشار الأسلحة النووية. وقد شكّل موضوع تأمين الوقود النووي هدفاً لعدد من المبادرات الدولية . ومن الضروري أن تتفق الدول العربية على مكونات مبادرة عربية أو دولية تؤمن الوقود دون حواجز سياسية أو جغرافية.
وفي كل الحالات فإن الشروع ببناء محطات نووية لتوليد الكهرباء يتطلب القيام بخطوات واستعدادات أوردتها الوكالة الدولية للطاقة الذرية في وثيقة خاصة بالموضوع. وهذه الوثيقة ليست إلزامية وإنما هي وسيلة لتوضيح ما يتوجب أن تقوم به الدول الراغبة في توليد الكهرباء بالطاقة النووية.
خامس عشر: آليات التنفيذ حتى العام 2020 :
لقد بيّنت النصوص السابقة أهمية العديد من التقنيات النووية في عملية التنمية الاقتصادية والحفاظ على الصحة العامة والبيئة. ومن الضروري وضع آليات تنفيذية وخطوات واضحة بإتجاه توظيف هذه التقنيات في الدول العربية. وستتوزع مسؤولية تنفيذ هذه الآليات والخطوات على جهات ثلاث: الدولة (أو مجموعة الدول في حالة المشاريع المشتركة)، الأمانة العامة لجامعة الدول العربية والهيئة العربية للطاقة الذرية. كما من الممكن أن تتشارك جهتان أو أكثر في تنفيذ آلية معيّنة وفقاً لطبيعة ومرامي هذه الآلية.
ستعمل كل دولة على تأمين البنية التحتية للبرامج النووية وتوظيف التقنيات النووية في التنمية الشاملة (إنشاء هيئة وطنية للطاقة النووية، إصدار القانون النووي، إنشاء الهيئة الرقابية، إصدار المراسيم التطبيقية للقانون (اللوائح والنظم)، إدخال علوم الطاقة الذرية وتقنياتها في التعليم الجامعي وما قبل الجامعي، إنشاء المختبرات التي تستخدم التقنيات النووية في التحليل والكشف خدمة لعلوم البيئة والمياه وعلوم البحر والزراعة وغيرها، بناء مفاعل بحثي، إنشاء مراكز طب نووي وإنتاج النظائر المشعة الضرورية، دراسات الجدوى وإختيار مواقع مفاعلات القوى …) وذلك وفقاً لخطة زمنية مقترحة.
ستقوم الأمانة العامة لجامعة الدول العربية والهيئة العربية للطاقة الذرية بمواكبة جهود الدول العربية في تنمية الاستخدامات السلمية للطاقة الذرية فيها. كما سيكون دور الهيئة كبيراً في تنمية الموارد البشرية في الدول العربية في كافة مجالات التطبيقات السلمية للطاقة الذرية وفي تطوير نماذج القانون النووي واللوائح التنظيمية باللغة العربية ووضعها بتصرف الدول للإستعانة بها عند وضع القانون واللوائح الوطنية.
وسيكون من المفيد القيام بعدد من الخطوات الضرورية لتدعيم المشاريع العربية النووية السلمية: بحث إمكانية إنشاء جهاز تقني عربي يختص بالجانب الفني لعمليات ترخيص مفاعلات البحوث ومفاعلات القوى، بهدف مؤازرة الهيئات الرقابية الوطنية وتخفيف العبء التقني والمالي عنها، تكوين موقف عربي من المبادرات الدولية لتأمين الوقود النووي دون حواجز سياسية أو جغرافية والعمل بشكل جماعي على إيجاد مبادرة عربية تساهم في تأمين هذا الوقود لكل المفاعلات العاملة في الدول العربية مهما كان نوعها، بحث إمكانية إنشاء مركز لتصنيع الوقود دون الدخول في تقنيات حساسة، المساهمة في رفع مستوى الصناعات العربية التي يمكن أن تساهم في تصنيع أجزاء من الأجهزة النووية والإشعاعية ومحطات توليد الكهرباء بالطاقة النووية وذلك بالتعاون مع المنظمات والمؤسسات الوطنية والعربية ذات الصلة، وضع آلية لتكامل وتبادل الإنتاج العربي من النظائر المشعة، دراسة إمكانية إنشاء مشاريع عربية مشتركة بين عدد من الدول العربية لاسيما في ميدان توليد الكهرباء بالطاقة النووية. تتم هذه الخطوات وفق برنامج زمني محدد.
سادس عشر: خاتمــة :
ينبع إقدام أي دولة على تنمية الإستخدامات السلمية للطاقة الذرية، وتوظيفها في العملية الإقتصادية، من معرفة دقيقة لما يمكن أن تساهم فيه هذه التقنيات في دفع التنمية الإقتصادية خطوات إلى الإمام. وقد حاولت هذه الإستراتيجية التأكيد على عدد من التطبيقات المهمة للطاقة الذرية ودورها في عملية التنمية الشاملة والحفاظ على الصحة العامة، على أن تترجم لاحقاً إلى آليات تنفيذية وإلى مشاريع وطنية وعربية مشتركة. سيكون تنفيذ هذه الإستراتيجية في بعض جوانبها من مسؤولية كل دولة على حدة وعلى مسؤولية العمل العربي المشترك في جوانب أخرى.
إن المشروع العربي المشترك ليس بالضرورة مشروعاً تشارك به كل الدول العربية بل يمكن أن يكون مشتركاً بين عدد من الدول بناء على ظروف جغرافية أو تقنية. والمشروع العربي يمكن أن يكون مجموعة من المشاريع الوطنية التي تتكامل فيما بينها. (كما يمكن أن يحصل في مشاريع إنتاج النظائر المشعة في عدد من الدول، أو مشاريع إنتاج الكهرباء في ظل الربط الكهربائي الذي يجري استكماله).
تشكّل عملية الترخيص والمراقبة الدائمة لحسن عمل المفاعلات عبئاً مالياً وتقنياً على الدولة. نصت الإستراتيجية على إمكانية إنشاء جهاز عربي تقني، يتبع الهيئة العربية للطاقة الذرية ويكون مركزه في إحدى الدول العربية، يقوم بالجانب التقني من عملية الترخيص (أو التفتيش الروتيني) مما سيخفف بالطبع العبء على الدول وعلى المؤسسات المعنية كما سيساهم بتأمين مستوى عال ومرموق للأمان النووي وذلك نتيجة للتعاون العربي في إنشائه وتشغيله بشرياً وإدارياً ومالياً.
يتطلب بناء محطات توليد الكهرباء بالطاقة النووية استثمارات كبيرة ولفترة زمنية طويلة نسبياً (من5 إلى 8 سنوات). سيكون أمر الحصول على الوقود النووي لهذه المحطات وفي الوقت المناسب أمراً ذا أهمية قصوى. لذلك عرضت الإستراتيجية لبعض المبادرات الدولية لتأمين الوقود النووي دون حواجز سياسية أو جغرافية ودعت لإيجاد تصور عربي مشترك أو لمبادرة عربية تؤمن الوقود مع كامل الشفافية وضمن المواثيق الدولية ذات الصلة.